امرأة بلون البرتقال

المشاغب

Administrator
كان الصباح هادئاً، السكون به مريب، لا أشجار تتحرك، ولا أزهار تغني، ذلك النوع من الهدوء الذي يجعلك تشك بأن العالم يخبئ شيئاً ما خلف ظهره، كأن الليل غادر الشقة قبل دقائق فقط بعد أن محا آثاره بعناية.
وقفتُ أمام المرآة وقتاً أطول من المعتاد، وضعتُ القليل من مستحضرات التجميل حول عينيّ، ليس لأبدو أجمل، بل لأخفي التعب الذي بقي داخلي مثل أغنية قديمة لا تتوقف عن الدوران. النساء يفعلن هذا أحياناً؛ يخفين الشروخ الصغيرة داخل أرواحهن بأشياء بسيطة يمكن شراؤها من متجر قريب.
ارتديتُ ملابس العمل البرتقالية اليوم. لم أكن أحب هذا اللون من قبل، لكن لغرابة الحياة يصبح ما لا نحبه مستساغاً لدينا إذا ما أحبه من نهتم بأمره. هو كان يحبه. قال لي مرة إن البرتقالي يجعلني أبدو دافئة، كأنني مصباح صغير في غرفة باردة. لم أفهم تماماً ما قصده يومها، لكنني أحببتُ نظرته وهو يقول ذلك.
في المطبخ أعددتُ القهوة ببطء؛ الماء يغلي، رائحة البن ترتفع تدريجياً، والملاعق الصغيرة تصدر أصواتاً خافتة فوق الرخام. كان هناك طبق برتقالي اشتريناه معاً قبل عامين من متجر صغير قرب البحر. لا أعرف لماذا بقي هذا الطبق تحديداً حياً في ذاكرتي، ربما لأن الأشياء تحتفظ بجزء من الأشخاص الذين استخدموها طويلاً. أحياناً أظن أن البيوت تتذكر أكثر منا.
في الليلة الماضية تشاجرنا. ليس شجاراً كبيراً، فالشجارات الكبيرة نادرة أصلاً. كانت واحدة من تلك المشادات الصغيرة التي تبدأ من لا شيء، ثم تتحول فجأة إلى مرآة تكشف أشياء أعمق بكثير.
قال إنني أفسر الأمور أكثر مما يجب وأهول المواضيع، وأنا قلت له إنه يهرب إلى المزاح كلما اقترب من الحقيقة.
كانت موسيقى قديمة تدور بهدوء في الخلفية؛ ساكسفون بطيء وحزين قليلاً. خارج النافذة كان المطر ينزل بخفة، كما لو أنه لا يريد إزعاج أحد.
ثم سقط الوعاء الزجاجي.
حدث ذلك بسرعة غريبة. اصطدمت يدي بالطاولة، وانزلق الوعاء نحو الأرض. كان وعاءً أزرق شفافاً اشتريناه في بداية زواجنا من مدينة ساحلية بعيدة، واتفقنا يومها أن نضع داخله أوراقاً صغيرة نكتب عليها الأشياء التي نحبها في بعضنا:
أحب طريقتك في النوم أثناء الأفلام.
أحب حديثك مع القطط في الشارع.
أحب صوتك حين تكونين نصف نائمة.
أشياء صغيرة جداً، لكن الحياة، بطريقة ما، مصنوعة من هذه الأشياء الصغيرة أكثر من أي شيء آخر.
حين تحطم الوعاء، بدا الصوت حاداً بصورة مؤلمة. تناثرت القطع الزجاجية على الأرض، وتطايرت الأوراق البيضاء حولها ببطء، مثل طيور فقدت اتجاهها.
انحنيتُ بسرعة أجمع الأوراق. كنتُ أرتجف، رغم أنني لم أفهم تماماً السبب. ثم دخلت قطعة زجاج في قدمي؛ ألم سريع، ثم الدم.
في تلك اللحظة عاد من المطبخ، كان قد ذهب ليشرب الماء. أتذكر صوت باب الثلاجة أكثر مما أتذكر ملامحه حين رآني.
ركع فوراً أمامي وقال:
لا تتحركي.
كان صوته منخفضاً، لكنه بدا خائفاً بطريقة غير مألوفة. أمسك قدمي بحذر وبدأ يلف الجرح بضماد أبيض، بينما كنتُ أنا ما أزال أضم الأوراق إلى صدري كأنها شيء حي.
نظر إلى الأوراق طويلاً، ثم تنهد وقال بعد لحظة:
إنه مجرد زجاج.
لكننا عرفنا معاً أنه لم يكن مجرد زجاج.
لاحقاً حملني إلى السرير، قبّل رأسي بصمت، ثم خرج من الغرفة. بقيتُ أسمع المطر والموسيقى وخطواته البعيدة في الممر.
وفي الصباح التالي بدا كل شيء طبيعياً بصورة غريبة. كان يرتدي روب النوم الأسود الذي أهديته له قبل شهر، جلس على الكرسي المعتاد، وضع نظارته، ثم أخذ فنجان قهوتي من أمامي كما لو أنه ملكه منذ البداية، وقال:
صباح الخير.
أعددتُ له البان كيك؛ الزبدة تذوب فوق المقلاة ببطء، والعسل ينزل بخط رفيع فوق الفراولة والتوت. مشهد منزلي بسيط، لكنه جعل قلبي يؤلمني قليلاً. كيف يصل نقاشٌ إلى هذا الجفاء؟
اقترب مني فجأة وهمس:
ألا يمكنكِ البقاء اليوم؟
ضحكتُ وأخبرته أن لدي مناوبة طويلة.
فكّ مشبك شعري بهدوء، ثم ترك شعري ينسدل على ظهري. كانت لديه عادة غريبة في لمس شعري حين يفكر بشيء لا يريد قوله.
قال وهو يبتسم:
الشعر المنسدل أجمل عليكِ عزيزتي.
ثم ضحك بخفوت وأضاف:
هيا تحركي يا فتاة، لديكِ عالم ينتظر إنقاذكِ له.
في المصعد، بينما كنتُ أرى انعكاسي في المرآة المعدنية الباردة، فكرتُ فجأة أن العلاقات الأكثر خطورة ليست تلك التي ينتهي فيها الحب، بل تلك التي يبقى فيها الحب حياً رغم التعب والخذلان والخوف.
في المستشفى مرّ الوقت ببطء؛ أضواء بيضاء، أصوات أجهزة، رائحة مطهرات، وأشخاص متعبون يتحركون كأنهم داخل حلم طويل بلا نهاية.
في الاستراحة اتصلتُ به، كان نصف نائم. قال إن المطبخ تحول إلى كارثة أثناء محاولته الطهو، فضحكتُ دون وعي. أحببتُ دائماً تخيله وحيداً وسط الفوضى المنزلية.
أخبرني أن عائلتي ستزورنا غداً للعشاء. نظرتُ إلى السقف وتنهدت؛ هم يجدون منفذاً دائماً من خلاله. فأنا لا أحب الطهو لأنه يأخذ مني وقتاً طويلاً، لذا دائماً ما أقوم بدعوتهم إلى أحد المطاعم الهادئة، مطعم لصديقتي كل ما به طعام منزلي، لكن معه يصبح علينا أن نطهو داخل المنزل.
الثلاجة كانت فارغة تقريباً، فضحك وقال:
سننجو بطريقة ما، سأعد الطعام لهم.
قلتُ له:
يا إلهي، سنصاب بالتسمم إذن، أو سيحترق المنزل يا رجل.
تحدثنا عن أشياء صغيرة؛ قلت له ألا ينسى سقي النبتة بالخارج، وأن يخرج القمامة، ويغلق صمام الغاز قبل أن يخرج.
قال:
وما أدراكِ سأخرج؟
همستُ:
أشم صابون الحلاقة وأنا أكلمك.
قال بعد أن أطلق ضحكة قوية:
يا فتاة، كيف تعرفين؟ أتضعين كاميرات مراقبة بالبيت؟
ضحكتُ وأنا أقول:
إذن أصبتُ، لي هدية إذن.
كان الشرط بيننا إذا عرف أحدنا ما يفعله الآخر، عليه أن يحضر ما يريده الرابح.
قال:
نعم، لكِ ما تريدين.
قلت:
أريد... امممم... أحضر لي زهوراً وقهوة عندما تأتي لتقلّني.
قبل أن يغلق الخط قلت له:
أحبك.
صمتَ لثانية قصيرة، ثم قال بهدوء:
وأنا أيضاً.
حين عدتُ إلى المنزل ليلاً، كانت موسيقى الجاز ما تزال تعمل. دخلتُ المطبخ فرأيته يطهو المعكرونة، رائحة الثوم والزبدة تملأ المكان، وعلى الطاولة رأيتُ الوعاء الزجاجي، أو ما تبقى منه.
كان قد أعاد لصق القطع المكسورة كلها. لم يكن مثالياً؛ الشقوق ما تزال واضحة تحت الضوء مثل ندوب قديمة، لكن الأوراق البيضاء كانت داخله مجدداً، مرتبة بعناية، كأن أحدهم حاول إصلاح الذاكرة بيديه.
اقتربتُ منه دون كلام. التفت نحوي وقال:
حضرتِ أيتها الكونتيسة؟
سحب لي مقعداً فجلستُ إليه.
خارج النافذة مرّت سيارة بطيئة فوق الشارع المبتل، وانعكس ضوءها للحظة على الزجاج قبل أن يختفي.
جلسنا نأكل بصمت مريح. تحدثنا عن رواية نقرأها معاً؛ كان يرى أن بطلها جبان، بينما كنتُ أراه متعباً فقط.
قال:
الناس يسمّون الخوف حساسية أحيانًا.
قلت:
ويسمون الوحدة حكمة.
نظر إليّ طويلاً، ثم ابتسم قائلاً:
أتعلمين لِمَ من الممتع أن أناقشكِ بكتاب أو قصة أو موقف؟
ضحكتُ وقلت له:
لأنني ذكية؟
قال:
بعيداً عن ذكائكِ، أنتِ ترين ما لا يراه الناس في النص أو الشخصية، لكِ نظرة مختلفة.
صمتَ وهو يهمس:
هذا ممتع جداً... نعم، ممتع حد الثمالة.
نظر إليّ وصمت.
في تلك اللحظة شعرتُ بذلك الحزن الغامض الذي يأتي أحياناً مع السعادة؛ الحزن الذي يشبه الاستماع إلى أغنية جميلة تعرف مسبقاً أنها ستنتهي قريباً.
لاحقاً اتصل المستشفى مجدداً؛ حالة طارئة. قبل أن أخرج أمسك يدي وقال:
اتصلي بي عندما تنتهين، سأأتي لأخذكِ.
بعد ساعات، عندما خرجتُ من المستشفى، كان المطر ينزل بهدوء. اتصلتُ به، فقال فوراً:
التفتي إلى اليمين.
كان يقف هناك تحت المطر الخفيف يحمل كوبين من القهوة الساخنة وباقة كبيرة من التوليب. ابتسمتُ له واتجهتُ نحوه، ورذاذ المطر يتساقط على شعري ووجهي.
جلسنا داخل السيارة بصمت. ناولني التوليب فابتسمتُ؛ كان لونه خمرياً وأبيض، في غاية الجمال. أدار المسجّل لتصدح ألحان مونامور. المطر يطرق السقف بخفة، وأضواء السيارات تمر فوق الزجاج مثل ذكريات عابرة، والموسيقى تتراقص بهدوء.
شربنا القهوة ببطء، بينما بقيت يدي داخل يده، وفي تلك اللحظة بدا العالم أقل وحدة بقليل.
النهاية
بقلمي ....حصري


hlvHm fg,k hgfvjrhg​

المصدر
 
عودة
أعلى