أيمكن للكعك أن يكون مرًا؟!

المشاغب

Administrator


ثمة أمور لا يدركها الإنسان إلا متأخرًا، بعد أن يهذبه الألم قليلًا ويجعله أقل ثقة بالأشياء التي تبدو بديهية. وقد كنت أظن، في وقت مضى، أن الكعك لا يمكن إلا أن يكون حلوًا، ما دام قد صُنع من السكر والزبدة وكل تلك العناصر التي يتواطأ البشر على اعتبارها باعثة للبهجة. لكن الحياة، في دروسها القاسية، تعلمنا أن الطعم ليس خاصية في الطعام وحده، بل في النفس التي تتذوقه.
أيمكن للكعك أن يكون مرًّا؟ أجل، وبمرارة تفوق ما تصنعه الأعشاب أو الأدوية. فالحزن، حين يستقر في القلب، يمتلك قدرة غريبة على تغيير طبيعة الأشياء من غير أن يمسها. يبقى السكر أبيض كما هو، وتظل الرائحة شهية، لكن الروح تضيف من داخلها مذاقًا آخر لا تراه العين.
ولعل أكثر ما يدعو إلى التأمل أن الأشياء البريئة هي التي تتحمل دائمًا نتائج اضطراب البشر. فالكعك، الخارج لتوه من دفء الفرن، لا ذنب له في أن يد مرتجفة تناولته بعد ليلة مثقلة بالخذلان. إنه يؤدي مهمته كاملة؛ يُزيَّن بعناية ويُقدَّم بمحبة، لكن النفس المتعبة قادرة على تحويل أبسط المسرات إلى تجربة يلفها الأسى.
بدأت المرارة يوم اختفت الكلمات دفعة واحدة، كما تختفي مدينة كاملة تحت الضباب. حُذفت الرسائل، ومُحيَت الأيام الصغيرة التي بدت عادية حين عاشت، ثم اكتُشف متأخرًا أنها كانت تشكل حياة كاملة. وعاد صوت هادئ، عقلاني إلى حد الاستفزاز، يقول إن الإنسان يصنع حياته بنفسه، وإن الذكريات ليست ضرورة. وما أقسى هذه العبارة حين تُقال لمن يعيش بالذكرى كما تعيش النباتات بالضوء.
فهناك قلوب لا تتعلق بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الهامسة؛ بجملة قيلت عرضًا، بصورة أُرسلت في مساء عابر، أو بمحادثة طويلة لم يكن فيها شيء مهم سوى الألفة نفسها.
ومنذ ذلك الحذف، لم تتغير الذكريات لأنها اختفت، بل لأنها صارت أكثر حضورًا. أصبح كل تذكر يشبه فتح صندوق عطر قديم في منزل مهجور؛ الرائحة جميلة، لكنها تحمل معها إدراكًا حادًا بأن الزمن لا يعيد شيئًا كما كان.
لهذا، ربما، يصبح الكعك مرًّا أحيانًا. ليس لأنه أخفق في أن يكون حلوًا، بل لأن القلب الذي يتذوقه امتلأ بما يكفي من الأسى ليُفسد حتى السكر نفسه. وربما كانت هذه هي أكثر الحيل خفاءً التي يجيدها الحزن: أنه لا يغيّر العالم، بل يغيّر اللسان الذي يلامسه، فنحسب أن المرارة خرجت من الأشياء، بينما كانت تسكننا منذ البداية.​
بقلمي ....



Hdl;k gg;u; Hk d;,k lvWh?!​

المصدر
 
عودة
أعلى