عندك رحمة... فكن رحيمًا

المشاغب

Administrator
عندك رحمة... فكن رحيمًا




ما من مخلوقٍ إلا وقد نالَ حظًّا من الرحمة التي فطَرَ اللهُ عليها الخلائق؛ فهي القوةُ الخفيَّةُ التي تجعلُ الطيرَ يحنو على فرخِه، والوحشَ يرقُّ لوليدِه. والدابة ترفع حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه.



عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا، وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ، حَتَّى تَرْفَعَ الدَّابَّةُ حَافِرَهَا عن ولدها، خشية أن تصيبه»؛ (رواه البخاري ومسلم).



الكلُّ يستعملُ رحمةَ الله بفِطْرتِه السوية، إلا الإنسان! فقد جُعِلت الرحمةُ في بني البشر أمانةً واختبارًا؛ فمنهم مَن أحْسَنَ استعمالها فكان رحمةً للعالمين كأنبياءِ اللهِ ورُسُله، الذين قال الله في حقِّ إمامهم ﷺ: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107]، فساروا بالرحمةِ بين الناس فغيَّروا بها وجه التاريخ. ثم سار على نهجهم خيارُ الناس؛ فكانوا بَلْسَمًا يداوي جراحَ المحتاجين، يحنون على يتيمٍ آووه، ويمسحون دمعةَ فقيرٍ أضناه العوز، ويلينون في قولِهم وفعلِهم مع الضعفاء والأجراء. ويا للعجبِ مِمن انقلبت لديهم موازينُ هذه الفطرة! فتجدُ أحدهم يحنو على حيوانٍ أعجم، ويذرفُ الدمعَ لمرآه، بينما يمتلئُ قلبُه غلظةً على بني جِنْسه؛ فيقسو على خادمه، ويجفو القريب، ويقطعُ رَحِمَه، وكأنَّ هذا الإنسانَ المكرمَ أهونُ شأنًا من ذاك الحيوان!



إنَّ الرحمةَ فينا ليست مجردَ شعورٍ عابرٍ، بل هي ميزانُ إنسانيتنا؛ وتأمل في كتاب الله كيف عرَّفنا اللهُ بنفسِه في أول آيةٍ من كتابه بـ ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾، فبدأ برحمته، ثم أتبعها بالحمد في قوله: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾، ثم أتبعَ الحمدَ برحمةٍ أخرى في ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾؛ وكأنَّ الحمدَ يكونُ على الرحمةِ ابتداءً، وكأنَّ رحمتَه تحيطُ بثناءِ الحامدين من قبلُ ومن بعد. بل حتى في عاداتنا وفطرتنا؛ فبين كل شربةِ ماءٍ وإطعامِ طعامٍ رحمةٌ تحفُّنا، نبدؤها بالبسملةِ "رجاءَ رحمته"، ونختمها بالحمدِ شكرًا عليها، وبين كل زوجين جعلَ بينهما مودةً ورحمةً. ولنعلم يقينًا أنَّ أعمالنا التي نعملها- على عِظَمها- لا تُدْخِلنا الجنةَ إلا برحمته وفضله؛ فمبتدأُ الوجودِ ومُنْتهاه، وطريقنا لدار الكرامة.. هي الرحمة.


فبقدرِ نصيبكَ منها، يكونُ حظُّكَ من الفلاح.. عندك رحمة فكن رحيمًا.



uk]; vplm>>> t;k vpdlWh​

المصدر
 
اخر المواضيع
عودة
أعلى